محمد أحمد خلف الله
85
الفن القصصي في القرآن الكريم
فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً « 1 » . ما معنى هذا الترديد في العدد ؟ وما معنى هذه النصائح ؟ لا نستطيع أن نقول إن المولى سبحانه وتعالى كان يجهل عدد الفتية من أهل الكهف وأنه من أجل هذا لم يقطع في عددهم برأي فالمولى سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وإنه ليعلم السر وأخفى . وإنما نستطيع أن نقول إن هذا لم يكن إلا لحكمة والحكمة فيما نعتقد هي أن المطلوب من النبي عليه السلام أن يثبت أن الوحي ينزل عليه من السماء وأن يثبت ذلك لا بالعدد الحقيقي للفتية من أصحاب الكهف فذلك لم يكن موطن الإجابة وإنما بالعدد الذي ذكره اليهود من أهل المدينة للمشركين من أهل مكة حين ذهب وفدهم ليسأل عن أمر محمد أنبي هو أم متنبّي . وإذا كان أحبار اليهود قد اختلفوا في أمر العدد وذكر كل منهم عددا معينا كان على القرآن أن ينزل بهذه الأقوال حتى يكون التصديق من المشركين بأن محمدا عليه السلام نبي ولو ذكر القرآن العدد الحقيقي وأعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية وليس وراء هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء . ومثل هذا تماما موقف القرآن من عدد السنين فلم يذكر القرآن العدد الحقيقي وإنما اكتفى المولى سبحانه وتعالى بما يعرفه اليهود ومن هنا نصح النبي عليه السلام بأن يقول قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » ولسنا بحاجة إلى أن نقول هنا أيضا بأن العلي القدير لم يعرض عن عدد السنين الحقيقي إلا لحكمة وأن هذه الحكمة هي أن يكون ما يذكر في القرآن الكريم مطابقا لما قاله اليهود للمشركين . وهذا هو الذي أشار إليه بعض الأقدمين من المفسّرين . جاء في الطبري « . . . فقال بعضهم ذلك حبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآيات 22 - 24 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 26 .